عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

397

الذيل على طبقات الحنابلة

ثم إن المصريين دبروا الحيلة في أمر الشيخ ، ورأوا أنه لا يمكن البحث معه ، ولكن يعقد له مجلس ، ويدَعى عليه ، وتقام عليه الشهادات . وكان القائمون في ذلك منهم : بيبرس الجاشنكير ، الذي تسلطن بعد ذلك ، ونصر المنبجي وابن مخلوف قاضي المالكية ، فطُلب الشيخ على البريد إلى القاهرة ، وعُقد له ثاني يوم وصوله - وهو ثاني عشرين رمضان سنة خمس وسبعمائة - مجلس بالقلعة ، وادعِي عليه عند ابن مخلوف قاضي المالكية ، أنه يقول : إن الله تكلم بالقرآن بحرف وصوت ، وأنه على العرش بذاته ، وأنه يشار إليه بالإِشارة الحسية . وقال المدعي : أطلب تعزيره على ذلك ، العزيز البليغ - يشير إلى القتل على مذهب مالك - فقال القاضي : ما تقول يا فقيه ؟ فحمد الله وأثنى عليه ، فقيل له : أسرع ما جئت لتخطب ، فقال : أأُمنع من الثناء على اللّه تعالى ؟ فقال القاضي : أجب ، فقد حمدت الله تعالى . فسكت الشيخ ، فقال : أجب . فقال الشيخ له : من هو الحاكم في ؟ فأشاروا : القاضي هو الحاكم ، فقال الشيخ لابن مخلوف : أنت خصمي ، كيف تحكم في ؟ . وغضب ، ومراده : إني وإياك متنازعان في هذه المسائل ، فكيف يحكم أحد الخصمين على الآخر فيها . فأقيم الشيخ ومعه أخواه ، ثم رد الشيخ ، وقال : رضيت أن تحكم فيَ ، فلم يمكَّن من الجلوس ، ويقال : إن أخاه الشيخ شرف الدين ابتهل ، ودعا اللّه عليهم في حال خروجهم ، فمنعه الشيخ ، وقال له : بل قل : اللهم هب لهم نوراً يهتدون به إلى الحق . ثم حبسوا في بُرْج أياماً ، ونقلوا إلى الجب ليلة عيد الفطر ، ثم بعث كتاب سلطاني إلى الشام بالحط على الشيخ ، وألزم الناس - خصوصاً أهل مذهبه - بالرجوع عن عقيدته ، والتهديد بالعزل والحبس ، ونودي بذلك في الجامع والأسواق . ثم قرئ الكتاب بسدَّة الجامع بعد الجمعة ، وحصل أذى كثير للحنابلة بالقاهرة ، وحبس بعضهم ، وأخذ خطوط بعضهم بالرجوع . وكان قاضيهم الحراني قليل العلم .